محمد الجرفي
إذا كانت مدينة تحتاج لحراك شعبي لنفض غبار التهميش والإهمال والخصاص والفساد والفوضى فهي مدينة سلا. لماذا؟ لأن هذه المدينة إذا جاز تسميتها بالمدينة، تحولت إلى سجن كبير لأزيد من مليون نسمة، دون حي صناعي، وبمستشفى إقليمي شيد سنة 1983 على أنقاض ثكنة عسكرية لتقديم خدمات طبية لـ 170 ألف نسمة، ولم يعد صالحا لحمل إسم مرفق صحي فبالأحرى تقديم حد أدنى من خدمات الصحة العمومية، ودون فضاءات عمومية أقلها المساحات الخضراء، دون الحديث عن فضاءات ثقافية وترفيهية، وفي ظل خوصصة ملاعب القرب، واحتكار الممتلكات الجماعية من قبل جمعيات، إضافة إلى عدد من الاختلالات المرفقية لا أحد ينكرها.
مدينة سلا، سجلت في منتصف العشرية الأخيرة من القرن الماضي، أعلى معدل نمو سكاني سنوي، لأزيد من خمس سنوات، وهي المدينة التي تضاعف عدد سكانها في ظرف 15 سنة بخمس مرات. وهي تدفع ضريبة الجوار للعاصمة، ترزح سلا اليوم تحت وطأة تحديات كبيرة وخطيرة على مختلف الأصعدة، اقتصاديا، اجتماعيا، أمنيا، وثقافيا، بعد أن تخلفت السياسات العمومية عن مواكبة هذا النمو والتحكم في توسع المدينة، و توفير متطلبات العيش وفق المعايير المتعارف عليها.
على المستوى الاقتصادي، تحول الحي الصناعي الوحيد بحي الرحمة والذي كان يوفر 255 ألف فرصة عمل، إلى مجرد ذكرى من زمن توسع وتمدد المدينة، بعد أن أغلقت جميع المعامل وتحولت فرص الشغل إلى مجرد أرقام لملفات منازعات اجتماعية تراوح مكانها بردهات المحاكم. كما تستعد المدينة لتوديع مرفق اقتصادي بعد طرح مقترح نقل سوق الجملة لنواحي تامسنا.
مدينة سلا التي هجرها أعيانها ورجالاتها صوب الضفة الأخرى، تتمدد في غفلة من الجميع، بعد أن أتى الإسمنت على كل شبر من تراب المدينة، وحيث لا صوت يعلو فوق صوت البناء بمختلف تصنيفاته، المرخص والعشوائي، الاجتماعي والفاخر، دون أن يعني ذلك أن المدينة تعالج أعطاب العجز المسجل في تنمية وتأهيل المجال والفضاء العمراني.
مدينة تتعاظم إشكالاتها يوما بعض آخر، وتتسع قاعدة الفقر والهشاشة والإقصاء بأحيائها المغلقة على نفسها، والمحتضنة لضحايا السياسات العمومية والمجالس المنتخبة المنشغلة بإبرام صفقات التزفيت والترصيف والإنارة و مشاريع التنمية الذاتية للمنتخبين وحاشيتهم ولوبي الصفقات الجماعية، وكبار الموظفين الذين راكموا ثروات طائلة على حساب مصالح المدينة وساكنتها، لا يمكن أن تتعايش مع واقعها إلى الأبد في انتظار وعود تتكرر دائما و لا تتحقق أبدا.