*د.محمد غاني
كان الجد ينظر بفرح غامر و سرور شامل و غبطة وافرة الى حفيده نوفل الذي دخل للتو قادما من روض الأطفال. و كيف لا و قد أمد الله في عمره حتى رأى حفيده و هو يتعلم المبادئ الأولى للقراءة و الكتابة. فإذا كان جل المقبلين على الزواج يتمنون أن يرزقوا البنين من ذكور و إناث فكيف بمن أكرمه الله بالنافلة،2، أي أمده الله بالأحفاد يقول الله تعالى” ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين“3، أي أن الله تعالى وهب رسوله إبراهيم عليه الصلاة و السلام ابنا و وهبه يعقوب حفيدا 4، وصفه الحق سبحانه بأنه نافلة أي إذا كان الفرض هو البنين فأن النافلة هي الحفدة.
لقد كان الطفل يلهو و يلعب بسذاجة و فطرة تناسبان سنه، فهو لم يتجاوز الخامسة من عمره و لفت نظر الجد ما بدأ الحفيد يترنم به مما علمته معلمته بروض الأطفال، وبدأ الجد المسن يفكر و يتأمل الأنشودة التي كان يرددها حفيده:
أنا إنسان أنا إنسان
لي عينان لي لسان
أنا إنسان أنا إنسان
لي يدان لي أذنان
أنا إنسان أنا إنسان
لي أنف و رجلان
بدأ الجد يتساءل مع نفسه هل هذا هو الإنسان حقا؟ فكيف بالشخص الذي كان يمشي في مكان لا يعرف أن فيه بقايا ألغام فتفجر لغم بتر إحدى رجليه ، هل يستحق اسم انسان بعد هذا النقص الذي لحق جسمه أم لا؟ و كيف بالعامل الذي بترت آلة قطع الخشب يده ، هل يستحق بدوره اسم انسان أم لا؟ و كيف بالجندي الذي –نتيجة تجربة سلاح جديد- لم يعرف كيف يطبق التعليمات في استعماله ففقد سمعه أو بصره، هل يستحق بعد هذا النقص الطارئ بجسده اسم انسان أم لا؟
لا شك في أن كثيرا من الناس نعرفهم و نقر لهم باسم الإنسان رغم أنهم مبتورو الأيدي أو الأرجل أو فاقدو السمع أو البصر أو مجذوعو الأنف لسبب من الأسباب ، و ما أكثر ضحايا حوادث السير و ما أكثر ضحايا الحروب الذين فقدوا أعضاء أجسامهم.تأمل الجد مليا في الأنشودة التي يكررها حفيده على مسامع الحاضرين في تلك الأمسية ، و قارن هذا التعريف للإنسان الذي تتضمنه الأنشودة مع ما كان يحفظه في دراسته الثانوية:
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم،5.
و ما كانت تكرره على مسامعه أستاذة الأدب العربي بأن لسان الشخص و منطقه و مستوى خطابه نصف الفتى ، وما يتضمنه قلبه من مشاعر طيبة إيجابية هو نصفه الآخر.
ألح عليه التساؤل: هل الإنسان هو عبارة فقط عن المظهر الخارجي ، هاته الواجهة التي نراها أمامنا من رأس و كتفين و يدين و بطن و رجلين….الخ من الأعضاء الظاهرة جلت أو دقت، سمنت أم هزلت؟ أم أن الإنسان هو ما توارى وراء هذه الصورة من عقل راجح و قلب متسامح محب للخير عطوف على عيال الله؟ أم أن الإنسان هو كل هذا ؟
تساءل بل هو سؤال مفتوح طرحه الجد للتأمل و النقاش على كل من له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.
*أكاديمي و باحث مغربي
*******************
الهوامش
[1] -جدير بالذكر، عنوان المقالة هو عنوان كتاب شهير للمفكر ألكسيس كاريل
2 – النافلة هي ما زاد على الفرض مثل أن الصلوات الخمس فرض و ركعتا الشفع نافلة، و كذا في حالة الزواج الفرض هم الأبناء و النافلة هم الحفدة، و في المال الفرض هو الزكاة و الصدقة نافلة….
3– الأنبياء آية 49.
4 – في سورة يوسف آية 39 يقول تعالى”واتبعت ملة آيائي إبراهيم و اسحق و يعقوب”.
5 – ينسب البعض هذا البيت لزهير بن أبي سلمى و البعض الآخر للشاعر عبد الله بن معاوية.