الهوية،الحداثة والديمقراطية: أسئلة القيم

0 891

حسن طارق

في مُختلف الساحات العربية ،تُطرح اليوم قضايا الدولة والسياسة والديمقراطية والسلم الأهلي ،والى جانبها تثور بإستمرار أسئلة مُجتمعية وقيمية حارقة ،تضع الإجتماع السياسي الهش لهذ الدول محلٓ إختبارات حقيقية و جدية.

يعود إذن موضوع التوترات القيمية التي تشهدها عديدٌ من مجتمعاتنا العربية ،على ضوء تواتر سلسلة من الأحداث التي تهيمن على الرأي العام ،وتنطلق عادةً في شكل دفاعٍ عن الإبداع والفن أو مطالب بالحريات الفردية أو أحداثٍ إجتماعية معزولة ،لتأخد ذروتها في حالة تضادِّ قويٍ لمنظومتين من القيم ،يصبح بسرعةٍ مُهيكلاً للتجاذبات المُجتمعية.

كثيرون يعتبرون ذلك دليلاً عل حيوية هذه المجتمعات في لحظة تحولٍ تاريخي كبير ،حيث نُضج الحوار العمومي ،يقاس بالقدرة الجماعية على تجاوز مناطق “المُقدس”و”المُحرّم”،وعلى وضع “الطابوهات” ،تحت مشرحة النقاش الهادئ والرّصين ،بعيداً عن الحل السهل والمُكلف في المدى البعيد :النفاق الجماعي.

القراءة السوسيولوجية للتحولات المجتمعية المُعقدة التي تعرفها بُلداننا،تُقدم إضاءات على الخلفية المادية والموضوعية لهذه التوترات ، ذلك أن إتجاهات التطور تحمل مفارقاتٍ واضحةٍ بين الإنفتاح على العصر وبين الخوف على الذات ،من جهة هناك نزوعٌ نحو الفردانية تُغذيه تحولات المُدن والأسرة والتعليم ،ومن جهةٍ أخرى هناك عودةٌ قوية لخطابات الهوية .

الواقع ،أنه في كلّ أنحاء العالم أصبحت قضايا مثل الإجهاض ،الحريات الفردية،الإعدام ،مُحددة للتقاطبات الجديدة،بين العائلات السياسية والفكرية ،التي لم تعد قادرة على إعادة تعريف هويتها بناءً على مرجعيات ايديولوجية حادة وواضحة التباين ،كما أن هامش المبادرة الذي بات يتوفر عليه الفاعل السياسي /الحكومي تجاه السياسات العمومية الاجتماعية ،لم يعد يسمح بفرز واضح للمشاريع على أساس الأجوبة الإيديولوجية “التقليدية”.

كل هذه التحولات جعلت المرجعيات القيمية ،في كثير من الساحات السياسية ،محددة للفرز والتقاطب الانتخابي بين القوى السياسية.

رُبّما هو “ماكس فيبر” من قال أن “صراعُ القيم لايُحسم بل يُدَبّر” . مهما يكن فالمُجتمعات العربية مُحتاجةٌ بالضرورة لتمثلِ عُمْقِ هذه المقولة ،فتلك هي البداية الحاسمة لتغيير الطريق الخطأ ،الذي ينطلق من وهم نقاء المرجعية القيمية ،ليبني حولها إصطفافاتٍ هوياتية حادّةٍ ،لن تُضيف تقاطباتها إلاً مزيداً من الهشاشةً ِلسلم مدني مُترنِحِ و لِنسيج وطنيٍ رٓخْوٍ.

إن المُجتمع الديمقراطي،هو بالتعريف المجتمع الذي يسمح بتدبير توتراته القيمية والهوياتية ،بعيداً عن التمترسات المذهبية والعقائدية .

والمؤكد أن تجارب الشعوب والأمم حولنا ،تقدم عناصر نجاح “الوصفات” الضرورية لهذا التدبير الذي يُجنب حالة الإحتراب المجتمعي والشّرخ الحاد للنسيج الوطني ،وفي نفس الوقت يسمح للمجتمعات بالتعبير عن “تناقضاتها” القيمية .

ولعلّ القاعدة الأولى في تدبير أسئلة الإستقطاب المُجتمعي ،وعلى العكس تماماً من قضايا السياسات العمومية ،هي تجاوز الحلول العددية المبنية على أساس الأغلبية والأقلية.

القاعدة الثانية ترتبط بالوعي بأن الخلاف حول هذه القضايا سيبقى خلافاً مزمناً .إن تقاطبات من هذا النوع لن تُحسم بقانون ،ولن تُطوى بمجرد قرارات حكومية وسياسية ،إنها خلافات تُدبر ولا تُحسم ،إذ أن إقرار نصٍ يحذف عقوبة الإعدام ،لن يُنهي ببساطة الأصوات المطالبة بالإبقاء عليه ،ونفس الأمر ينسحبُ بالضرورة على مسألة تقنين الإجهاض.

القاعدة الثالثة تتعلق بإخراج هذه النقاشات ما أمكن من مربع المواقف الإيديولوجية ،وهنا فان توسيع طاولة الحوار ،لتشمل أصوات العلم والخبرة ،قد تكون إحدى وسائل تخفيف الطابع الايديولوجي عن الحوار العمومي المتعلق بهذه “التوترات “المجتمعية .في مثل هذه المسائل فإن حُجج الطبيب والسوسيولوجي والخبير النفسي ،أهم بكثير من القناعات الايديولوجية لباقي الأطراف .

القاعدة الرابعة تتعلق بالحرص على إحترام التدافع القيمي والمُجتمعي ،لثقافة المؤسسات ولسُلطة القانون ،وتجنب الإبتعاد ما أمكن عن خطابات الكراهية والتحريض على الحقد والعنف والتكفير .

على أن أقوى مسلكٍ لتدبير التوترات المجتمعية ،له علاقة بطبيعة التمفصل الذي يصنعه الفاعلون في خطاباتهم و ممارستهم بين هذه التوترات وبين الصراع من أجل الديمقراطية .

كثيرون يعتبرون أم المعارك اليوم ؛توجد في جبهة المجتمع ،وليس على مستوى الدولة ،ولذلك فالصراع المركزي اليوم يجب أن يتحول الى صراعٍ ايديولوجي بين الحداثيين والمحافظين .

أنصار هذه الأطروحة ؛ليسوا كتلة منسجمة ،فبينهم يوجد الليبراليون المتشبعون بفكرة الفردانية ،واليساريون المتهيبون من سطوة الأصولية ،لكن هناك كذلك معهم ممثلوا السلطوية الذين يرفعون بإنتقائية شعار الحداثة لتبخيس الإقتراع العام ،ولتتفيه السياسة ،ولمحاربة الديمقراطية في نهاية التحليل .

إن تأجيل سؤال الديمقراطية بدعوى أولوية حسم القضايا المجتمعية الخلافية ،لن يعني في النهاية سوى التضحية بالديمقراطية بمبرر الإنجرار وراء وهم “الحداثة “،ولن يعني في نهاية التحليل سوى عودة السلطوية التي تعتبر موضوعياً من الناحية الثقافية والاجتماعية نقيضاً لكلٍ من “الديمقراطية” و”الحداثة “.

إن لعبة الحداثة ضد الديمقراطية ،تبقى صناعة سلطوية بامتياز ، ولدى الديمقراطيين اليوم من ليبراليين وإسلاميين ويساريين ،ما يكفي من الذاكرة لإستعادة مشاريع التجارب السياسية الفاشلة التي حوربت فيها الديمقراطية والتعددية والحزبية ،بدعوى مركزية السلطة ،وأولوية الدولة ،وطلائعية النخبة،في قيادة التحول التحديثي ،وهي تجارب فشلت في الديمقراطية ،كما فشلت في تحديث المجتمعات .

إن الوعي بمخاطر تدبير سؤالي الديمقراطية والحداثة ،لايعني بالضرورة أن على القوى التقدمية أن تُدخل مشروعها في التحديث المجتمعي والثقافي في كُمونٍ تكتيكي ،بل هي على العكس من ذلك مُطالبةٌ بإستعادة المبادرة الثقافية وبمرافقه التحولات المجتمعية في اتجاه دعم المواطنة والحرية ،وهي بكلمة تبدو خارجة من المعجم القديم مدعوة لخوض الصراع الايديولوجي في واجهاته الاساسية ،لكن على أساس أن لا يصبح هذا الصراع محدداً لبوصلة تدبير الحقل السياسي الذي لاتبدو اليوم حلقته المركزية في هذا المرحلة مطابقة للتوتر الهوياتي ،بأشكاله المتعددة :محافظون /حداثيون ؛إسلامييون /علمانيون ..

إن التقدم خطوات صغيرة في الديمقراطية ،يعني تسجيل إنتصارات مؤكدة في المسار المعقد للحداثة ،والمؤكد كذلك أن تملك التحولات السياسية و الديمقراطية يقتضي إسنادها ثقافياً وفكرياً ،حتى لاتظل أسيرة الإجراءات والمساطر وحبيسة للمستويات الفوقية للسياسة ،وهنا يمكن أن تتحالف الديمقراطية والحداثة لإنجاز التحولات التاريخية المرجوة،ويمكن للإسلاميين والعلمانيين.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.