أية دلالات لاستحقاق 7 غشت؟ !

0 1٬023

نورالدين اليزيد

في البلدان الديمقراطية عندما يكون حزب في الأغلبية وتحديدا هو الحاكم وتجري انتخابات، مهما كانت أثناء حكمه، ولا يحتل المرتبة الأولى في الاستحقاق، يصف ذلك بالخسارة، وإذا احتل مرتبة دون الثلاث الأولى يصفه بالكارثة أو الصدمة التي يجب على الجميع تحمُّل مسؤوليته إزاءها. أما إذا كان جاء سادسا في تلك الانتخابات فإن رجة عُظمى تصيب الحزب يُقدّم على إثرها زعماؤُه استقالاتهم ويَعرضون عن الحديث لوسائل الإعلام، بل يبدون استعدادهم للمحاكمة أكانت من قبل مناضليهم أو من طرف المواطنين جميعا !

وفي بلدنا المغرب الذي ابتُلي بسياسيين يكذبون وينافقون ويمارسون كل أشكال التدليس والتضليل للحفاظ على المكاسب والمناصب والمغانم، ويبيعون الوهم للمواطن عبر الشعارات المنمقة، لا يخجل قادة الأحزاب، أغلبيةً ومعارضةً، وهم يصرحون للإعلام بأن مراتبهم الدنيا التي حصلوا عليها في استحقاق انتخابي تعني بالنسبة إليهم “تقدّما” و”إنجازا” و”فتحا مبينا” يستحق المديح والثناء والتشجيع..(إذا لم تستحي فافعل ما شئت، يقول المثل العربي) !       

وما شهدناه في انتخابات الغرف المهنية التي جرت يوم الجمعة الماضي والتي بوأت حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعده خصومه من الأحزاب الإدارية لارتباط تأسيسه بأحد رجالات الدولة المعروفين، هو مثال حيُّ على نوعٍ من الكائنات السياسية والبشرية التي لا يسري دم الخجل في عروقها ولا في وجوهها المصفحة؛ بحيث ما أن بدأت النتائج تظهر وتشير إلى فوز كاسح لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي جاء إلى حيز الوجود بالأمس القريب فقط، حتى خرج علينا قادةُ حزبَين كانا من أشد العداء للحزب الذي فاز بالانتخابات المهنية للمرة الثانية على التوالي، ليعلنوا عن أن النتائج التي حصل عليها كل من الحزب الحاكم (العدالة والتنمية)، والحزب المعارض (الاتحاد الاشتراكي)، واحتلالهما على التوالي الصفين السادس والسابع، هي نتائج جيدة وتعتبر متقدمة بالنظر إلى تلك التي حصلا عليها خلال استحقاق 2009 ! بينما الحقيقة هي عكس ذلك بالنظر إلى وضعية كل منهما السياسية والموضوعية؛ فبينما حزب العدالة والتنمية يقود الحكومة الحالية منذ ما يزيد عن الثلاث سنوات وكان عليه احتلال مرتبة أحسن وإحراز مقاعد أكثر، على الأقل تماشيا مع ما يتشدق به الحزب من كونه حقق إنجازات شتى في تجربته في الحكم، وهو ما كان سيعطيه نوعا من التبرير لزعمه وادعائه في انتظار القادم من استحقاقات جماعية وإقليمية وجهوية؛ لم يستطع حزب “القوات الشعبية” أن يحقق ما يمكن أن يغطي قليلا على الكبوات المتلاحقة التي مافتئت تطارد إدريس لشكر ورهطه المشتركين معه في تدمير وهدِّ حزب المهدي وبنجلون، وخاصة بعد انشقاق تيار المرحوم الزايدي الغاضب، وبعد فقدان الجناح النقابي الموالي له لصفة “النقابة المركزية” في انتخابات ممثلي المأجورين والموظفين بحيث باتت نقابةً كومبارس ستؤثث المشهد النقابي من الآن فصاعدا ولن تؤثر فيه ! بل، وحتى لا نتهم بأننا متحاملون على أحد، فبالرجوع إلى النتائج التي حققها حزب الاتحاد الاشتراكي في الاستحقاقين معا في سنتي 2009 و2015 نرى أن التراجع كان بيّنا ولا يحتاج إلى أي مبرر مهما كان ويكون من باب الضحك على الذقون وصفُ ذلك بالإنجاز، حيث حصل الحزب في الانتخابات الأولى على 237 مقعدا ما جعله يحتل الرتبة الرابعة، بينما في انتخابات هذه السنة حصل على 163 مقعدا محتلا الصف السابع، لذلك فإن كلام “زعيم” حزب الوردة الحالي بكون النتائج هي “إنجاز” مردود عليه، وهو أشبه بأحلام الأقزام التي لا ضير بالنسبة إليها مجرد الحضور خلْفا في الحفل، بل إن هذا وحده يعتبر إنجازا !!             

إن نتائج استحقاق يوم 7 غشت الماضي التي كرست تفوق حزب “البام” الذي كان يسمى من طرف الحزبين السالفي الذكر -بالخصوص- بـ”الوافد الجديد” الذي لا مرحبا به في مسار الانتقال الديمقراطي – بحسبهما- بقدر ما كرّست ابتعاد ما يسمى “الأحزاب الوطنية” عن نبض المواطن المغربي، بل وقرب نعيها للمغاربة بالنظر إلى انفصام قادتها المريع وعدم قدرتهم على الاعتراف بأخطائهم، بقدر ما تعتبر (أي النتائج) عودة إلى نقطة الصفر في مسير الألف ميل نحو الديمقراطية، مادام أن الأهداف التي كان يأمل تحقيقها “الربيع المغربي” في سنة 2011، بالإضافة إلى ما جاء به دستور تلك السنة، تكاد تُجهضُ اليوم لاسيما في ظل خيبة الأمل المحبطة التي يستشفها المرء اليوم من تجربة حكومية يقودها حزب “إسلامي” استغل ذات ربيع أبشع استغلال وركب على احتجاجات شعبية للوصول إلى الحكم قبل أن يصبح هو نفسه سببا وفتيلا قابلا لإشعال احتجاجات شعبية عارمة !             

لسنا هنا للتنقيص من شأن حزب الأصالة والمعاصرة أو إلصاق أية تهمة به وهو المنتشي بانتصار هو الثاني من نوعه رغم أنه ما فتئ حزبا فتيا، وإن كانت صفة “الحزب الإداري” قد أضحت قاسما مشتركا بين كل الأحزاب تقريبا، لكننا لا نسمح لأنفسنا بالمرور عابرين دون التذكير بذاك الموقف الباهت والمخجل الذي أبان عنه حزب “التراكتور” إبان الحراك  الاجتماعي المغربي، عندما اختفى قادته من الساحة الاحتجاجية والسياسية، وهو الموقف الذي لا يمكن إلا أن يحسب ضده مهما كان لديهم من مبررات ! وهذا وحده سبب يجعل أي حديث للحزب الفتي المقرب من بعض رجالات الدولة عن الديمقراطية يحتاج إلى كثير من التمحيص إن لم نقل التشكيك ! وهذا ما يحتاج إلى دخول الحزب للحكم لا لأجل “ترويضه” أو “تدجينه”، فهذا من نوافل القول ها هنا، ولكن لوضعه أمام مرآة الشعب..

فهل هي بدايات انتقال “البام” إلى الضفة الأخرى من الرقعة السياسية..الحُكم؟     

[email protected]                  

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.