عبد النبي ادسالم
كتب لي أن أزور “تكزرينت كناريين” جزر كناريا وبالضبط جزيرتي “لاس بالماس” و”فويرتي فينتورا”، أراضينا التي فيها “إن” وسط المحيط الأطلسي.
أبناء أيت باعمران هناك ينتظرون مني سلسة مقالات كتبتها في “ليالي لاس بالماس”، وعنونتها أمامهم بـ”عندما أحسست بالحكرة في لاس بالماس” ولم يكتب لها النشر بعد. دخلت بالتأشيرة التي من المفروض أن لا تكون لروابط تاريخية وحضارية متينة يشهد لها التاريخ غير أن طموح كريستوف كلومبوس قلبت الموازين في العالم وليس تاريخ هاته الجزر فقط.
وصلت الى “تكزرينت كناريين” رفقة الزملاء حسن وأيوب أو “ولدي” كما يحلوا لي أن أسمي الأخير، وهو من ناشئة فريق الوداد ولو استمر في مداعبة الكرة المدحرجة لكان له مشوار آخر وهو أدرى بما حكى، وصلنا إلى مطار لاس بالماس، العاصمة الإدارية لجزر كناريا، وكان أول ما تذكرت ” الجنرال كباص” وكل آيت باعمران ممن وطأة أقدامهم هاته الأرض، قادما إليها على مراكب خشبية بسيطة على أمواج الأطلسي والشهداء منهم كثر ……
تبدو المدينة من الأعالي كأكادير إلى حد ما، وأفضل منها على الأرض بكثير، فقط المناخ والجغرافية والتاريخ والإنسان فعلوا فعلتهم. أوقفتنا الجمارك في المطار، هناك آلة تصوير فيها نظر، مرت الأمور بسلام ورضا القلوب.
شخصان ينتظروننا بمطار لاس بالماس الدولي شابان باعمرانيان، لا يعرف واحد منهم الآخر، “بركاج عبد اللطيف” و”الصبايو الأورو” وبدوري لا أعرفهما، فابن قريتي عبد اللطيف غامر بروكب قارب الموت وهو صغير، أما الأورو فلا أعرفه ولكن هو الآخر جاء بنفس المسلك هروبا من واقع أليم بسانتا كروز ديمار بكينيا.
وصلنا إلى منزل آيت باعمران، وكان أول ما سألت عنه مقر إقامة الصديقة العزيزة الجميلة الفذة الغنية الساحرة، مطمئنة القلوب، الأبدية، صانعة التاريخ صعودا وهبوطا، كان العنوان قريبا قصدته، وأتردد عليها كلما انتهينا من العمل وفيه ذكريات أخرى رفقة الكوبيين…. .
عمي حسان كما يحلو لي أن أطلق عليه في دروب وجبال وشواطئ لاس بالماس ما فتئ حاملا أمتعة التصوير بعنف مهني قل نظيره، كلما شد انتباهه منظر إلا واخرج آلته لالتقاط مشاهد قد لا يراها مجددا، في تلك الجبال بحثا عن تفيناغ مع “خايمييصواريز” الأمازيغي الكوانشي الأصيل، كان أيوب “ولدي” يتجاذب أطراف الحديث مع الأورو بشأن المحلات التجارية لولعه بما استجد في الماركات العالمية للألبسة. فبحثا عن الحرف المفقود “بتكناريين” كان “خايمي” يحدد وقت الانطلاق إلى عمق “بلاد لاس بالماس” الأمازيغية كل صباح، فله دائما الكلمة وخطة العمل، بينما ظل الصبايو الأورو هو الرفيق الدائم طيلة أيام الرحلة، فهو المترجم الذي انقد موقف التواصل اللغوي بالإسبانية، اللغة التي تركتها إسبانيا بمدارس آيت باعمران ومباشرة بعد خروجها في 1969 أقصيت من مناهج التعليم بالمنطقة كأنها لم تكن هناك،باستثناء ما التقطه شيوخ المرحلة الفرنكاوية من مصطلحات غالبها عسكري.
كان برنامج خايميي صارما كل يوم في رغبة منه في توثيق وإظهار أمازيغية كناريا، وهو ما حفر في ذاكرتي والى الأبد، فعندما ذهبنا رفقة هذا الأمازيغي القح، بشاربه الأبيض الجميل وعيناه الثاقبتان لتصوير تفيناغ جنوب لاس بالماس، فقد خايمي بوصلتة في العثور على بقايا حرفه المنحوت على أرضه التي من أجلها خلق، فذكرني بباعمرانيي سلا والرباط الذين يرغبون في معرفة ” تاولاشت” أو “اسيف وندر” أو على الأرجح “اتفاق أمزدوغ” المفقودة المجروحة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التنقيب عنها، فقط يشتهون العيش على أطلال سماع حكايات قبائلهم ولو من فم شاب مثلي. بينما أصر خايمي وهو الإسباني بالقوة الآلاف السنين، على أن يعانق تفيناغ رفقة طاقم قناة أمازيغية، وهو بالطبع من بين صناعها بنضاله ووعيه الحقيقي بذاته، وهنا نذكر استضافته ورفاقه للكونغريس العالمي الأمازيغي “بتافيرا”بكناريا سنة 1997، والتي منها خرج كذلك العلم الأمازيغي أول مرة على شكله الحالي، وأسالوا الصحفي المغربي”رشيد نيني” كشاهد عليه وهو الذي حرك على ظهر الأمازيغية يومها، واليوم يوجه لها سهامه البلاستيكية.
في صيرورة بحثنا الشاق والمضني عن معالم حضارة عميقة، برمجت الرحلة على أن تكون الوجهة جبال جنوب لاس بالماس، يومها كان الجو شديد الحرارة، والساعة تشير إلى حوالي الثالثة بعد الظهر. فبعد أكل البيتزا التقليدية في مطعم وفرن ّ “بالسور”، انطلقنا سائرين تائهين في تلك الجبال بحثا عن تيفيناغ، تيه بين الطرقات والوديان ونباتات كأننا في فجاج قبيلتي اصبويا أو آيت الخمس للتشابه الكبير بين هنا وهناك، وظل السؤال الذي حير خايمي أين اختفت تيفيناغ؟ يسأل كل من لاقاه بالاسبانية ولا من يدري، أخيرا تذكر أننا لم نكن نسير في الاتجاه الصحيح ثم بدأ يردد وجدتها وجدتها على غرار كليلي ولحظة اكتشافه للجاذبية.. دام البحث أزيد من ثلاث ساعات، قبل أن نقرر تغيير وجهتنا..وفي لحظة من اللحظات أضحى الأمر حقيقة، تنفسنا الصعداء وتأكدنا أننا لم نكن نجري وراء التيه، بعدما تسلل الشك إلى عمي حسن على استحالة وجود تفيناغ بجزر كناريا، وجدناها أخيرا، وفي أحسن حال.. الكناريون فعلا محيرون !! لقد تحملوا عناء تسييج الفضاء الذي توجد فيه منذ مئات السنين، وقد وعوا مسؤوليتهم في صون هذا الإرث الإنساني والحضاري المشترك.. وجدنا تفيناغ مسيجة ومحمية من الاندثار في أحجار عريقة وبعلامات مكتوبة على جنبات السياج تقول”هذهتفيناغ حروف الشعب الأصلي هنا، وجب احترامها” وفقرة تعريفية لها.وتأسفت لحال آثارنا في المغرب، خاصة من المغرب العميق التي تغتال فيه يوما عن يوم، وتأسفت لمرضاه ممن يرون الثقافة تموت ولاتهمهم، وهو الخاطئ الذي لن يترك أثرا، أما التاريخ فلن يموت أبدا، تأسفت لتجار وباعة ومسترزقي الثقافة والتراث الذين لا يهمهم سوى الربح المادي على حساب ذاكرة الشعوب وخصوصياتهم، وتأسفت للحاقدين على تمازيغت وقد وجدناه حتى في أعماق جزر كناريا حية ترزق.
كان همنا كفريق لقناة أمازيغية أن نجدد العلاقة التاريخية وما يجمعنا بالضفة الأخرى، ونكشف المستور الذي أريد له أن يقبر ويكون قنطرة لغد أفضل …..وأراد خايمي أن يقول أن هذه الأرض تتكلم الأمازيغية لا الاسبانية كما أريد لها بحكم لعنة تاريخية، إنها لحالة حقيقية لتجربة مبعث للأمل في حفظ وصيانة الذاكرة التاريخية للشعوب الأصلية، وجب الاحتذاء بها، وتعميق التواصل معها ليس في بعدها التراثي فحسب، ولكن في أبعاد أعمق تحتاج كل شعوب اليوم إليها.