Take a fresh look at your lifestyle.

بالوجه المكشوف..قلبي حائر بين الشرطي البشري والآلي!

0

زكية حادوش

ورد في خطاب جلالة الملك بمناسبة عبد العرش أن “أمن المغرب واجب وطني لا يقبل الاستثناء”. وبالفعل، فالأمن هو تلك السكينة التي تنزل علينا كلما استفقنا كل صباح ووجدنا أنفسنا في ديارنا وبين أهلنا، أي وطننا، وكلما خرجنا عند المغيب لنشم رائحة الوطن دون خوف من الظلام ولا من الغدر. وهو كذلك ما يجعلنا نتنفس الصعداء كلما حطت بنا طائرة ما على ترابنا الوطني واستقبلنا رجال ونساء أمننا.

الأمن أيضاً هو ذلك الإحساس الذي ينتابنا كلما خلدنا للنوم ونحن مطمئنين على حياتنا وحياة فلذات أكبادنا وعلى كرامتنا وأرزاقنا من عبث العابثين ومن جنون البشر وشرهم. الأمن هو، إضافة إلى هذا كله، الثقة في مؤسسات البلد بمختلف درجات مسؤوليتها عن النظام العام وعن صيانة حقوق وحريات المواطنين والمواطنات، هو اليقين في أن الإنصاف سيتحقق إن لحقنا الظلم من هذه الجهة أو تلك، اليقين في أن ما كان يسمى في تاريخنا “رفع المظالم” ما زال أحد أركان الحكم اليوم. وأخيراً، الأمن هو التفاؤل، القائم على التحليل الموضوعي، بشأن مصير وطننا وأجياله المتلاحقة.

في نفس السياق، دعا جلالة الملك في خطابه الحكومة إلى “تمكين الإدارة الأمنية من الموارد البشرية والمادية اللازمة لأداء مهامها على الوجه المطلوب”، بعدما عبر عن تقديره للظروف الصعبة التي يعمل فيها رجال ونساء الأمن.

يبدو أنه رغم تغير صورة هذه الإدارة وصورة نسائها ورجالها على وجه الخصوص، بعد سنوات من “المفهوم الجديد للسلطة”، فإن ظروف اشتغالهم وأوضاعهم المادية والمعنوية لم تتطور بما فيه الكفاية. وكان لا بد من لفتالانتباه من أعلى سلطة في البلاد إلى هذا الجانب.

من حيث التطبيق، أكيد أن الهاجس الأمني والمقاربات الأمنية، مع اختلافها من بلد لآخر، تنحو نحو مواكبة التطورات في مجال العنف والجريمة والإرهاب بتطورات وتقنيات تضاهيها أو تتفوق عليها، قصد التصدي لها بما يلزم سواء فيما يتعلق بالتدابير الاستباقية، الاحترازية أو التدخلات الميدانية والعمليات البعدية.

مدينة مرسيليا الفرنسية، مثلاً، أعلنت عن تطوير مشروعتجهيز المدينة بنظام ذكي للمراقبة يمَكِّن من الوقاية من الجرائم والتدخل شبه الفوري في حالة وقوعها، فضلاً عن تيسير التحقيق والبحث. وطبعاً سيكلف ذلك من المال العام مبالغ باهظة. وعلى سبيل المقارنة، أجريت دراسة لتقييم نظام للمراقبة “أقل ذكاء” وفي مدينة أصغر هي “سانت إتيين” كان عدد سكانها عند تركيب النظام 177480 نسمة وتتوفر على 160 رجل أمن بمن فيهم 28 مكلفون خصيصا بتلك المراقبة الحضرية. كلف نظام المراقبة ذاك على امتداد خمس سنوات 1.7 مليون أورو للكاميرات فقط (67 كاميرا مراقبة بالمدينة)، زائد 1.3 مليون أورو مخصصة لتكاليف الاشتغال (مقر الوحدة المركزية، الكتلة الأجرية…). مما اعتبرته الدراسة المعنية تمويلاً ضخماً لم تبرره من الناحية العملية النتائج المحصلة ميدانياً في مجال مكافحة الجنح والجنايات، وعبثاً تحاول تبريره، حسب نفس الدراسة، دعايات الشركات المكلفة بإنتاج وتركيب وصيانة تلك الأجهزة.

على الصعيد الدولي، تعتبر مدينة “مكسيكو” من المدن الأكثر تجهيزاً بآخر ابتكارات نظم المراقبة الأمنية في إطار برنامج شمولي أطلق عليه اسم “المدينة الآمنة” (Ciudad Segura). ومع ذلك، فإن مكسيكو تصنف من المدن الأقل أمناً وأماناً على الصعيد العالمي.

على العكس من ذلك، تعتبر دولة مثل كوبا، التي تفتقر إلى نظام آلي “ذكي” للمراقبة، من الدول الأكثر أمناً. وأول شيء يتحدث عنه مواطنوها هو شعورهم بالأمن حين يخرجون رجالا ونساء إلى الشارع العام من أول النهار إلى آخر الليل دون أن يحسوا بالخوف من أي اعتداء. لكن من يدري؟ فمع رفع الحصار الأخير وتوافد أفواج السياح قد تتغير المعطيات الأمنية في ذلك البلد.

هي مجرد أمثلة لمقاربات أمنية بعضها يعتمد على التكنولوجيا والإمكانيات المادية والبعض الآخر يضع ثقته في أشياء أخرى، ربما نحتاج إلى التفكير أكثر لاكتشافها. لكن ما هو أكيد أن العنصر البشري هو قطب الرحى سواء تعلق الأمر بالإخلال بالأمن العام أو بالحفاظ عليه. ومهما يكن، ما قيمة “ذكاء” الآلة دون “ذكاء” الإنسان؟ ذلك الذكاء الذي نرجو أن يطبع خيارات جهاتنا الأمنية ويطبع ثقافتنا وسلوكاتنا كشعب، حتى ندرك أن الحقوق ترتبط بالواجبات والعكس صحيح، ولا نسقط في فخ الحقوق فقط للبعض والواجبات فقط للبعض الآخر، ومحاسبة الآخر مقابل التساهل مع الذات، ومصيدة الاعتماد على الغير في حل معضلاتنا، وفقدان الثقة في مؤسساتنا بما فيها المصالح الأمنية بسبب سلوك البعض من منطق “حوتة واحدة تخنز الشواري”.

قد نختلف في العديد من الأمور، وقد نقع في حيرة بين الشرطي البشري والشرطي الآلي، لكن لا يمكن أن نختلف في أن الأمن مسألة حيوية لنا جميعاً وأن أمن بلادنا لا يقدر بثمن!

 

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.