Take a fresh look at your lifestyle.

حان الوقت لإستراتيجيّة خروج من مستنقع أفغانستان

0

*أ.د. ألون بن مئيـر

أعلن الرئيس باراك أوباما قبل أسبوعين بأن الولايات المتحدة ستخفّض قواتها في أفغانستان من 9.800 إلى 8.400 عسكري, مغيّرا ً بذلك خطته الأصليّة لتخفيض العدد إلى 5.500. ويستند قراره هذا إلى أنّ الأحوال على الأرض ليست مبشّرة بالخير كما كان يتوقعها وإبقاء عدد ٍ أكبر من القوات أمر مهمّ كما يعتقد بقوله:”انه من مصلحة أمننا القومي…أن نعطي شركاءنا الأفغان أفضل الفرص للنجاح”. غير أن الرئيس لم يوضّح, على أية حال, ماذا يعني النجاح بالفعل. فإذا كان يعني بأن أفغانستان ستصبح في نهاية المطاف ديمقراطية مستقرة وفاعلة, فهو مخطئ في الأساس.

وبالفعل, فحتّى لو ركزت الولايات المتحدة ثلاثة أضعاف القوات الرابضة حاليا ً لمدة 15 عاما ً أخرى أو ما يزيد عن ذلك, فإن الولايات المتحدة بالنظر إلى الصراعات المتعددة والقسوة ونفاق اللاعبين المشاركين وتاريخ البلد الطويل لن تستطيع إنقاذ أفغانستان من المستنقع المتواجدة فيه. وملاحظات الرئيس الختامية بهذا الشأن توحي بشدّة بأن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان مفتوح أساسا ً بقوله:” ….بالنظر للتحديّات الهائلة التي يواجهونها, فان الشعب الأفغاني بحاجة لشراكة العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لسنوات عديدة قادمة”.

تذكرنا الوقائع على الأرض بحرب فيتنام – كونها صراع مطوّل لا حاجة له وبدون أمل أو رؤية للنصر – باستثناء أن الحرب في أفغانستان معقّدة حتى أكثر وتصبح بازدياد مطرد صعبة المراس. ولفهم ما ينبغي أن تكون عليه الإستراتيجيّة الأمريكيّة لإنهاء حرب ٍ طالت أكثر من أية حرب أخرى في تاريخ الولايات المتحدة, يجدر بنا أن نأخذ ما يلي بعين الاعتبار:

أولاً: أفغانستان بلد غير ساحلي مغلق جغرافيّا ً بتضاريس جبلية ووعرة ومفعمة بآلاف الكهوف التي يمتدّ طول البعض منها أميال ومعروفة فقط للسكان الأصليين. ومن الناحية التاريخيّة, لم تستطع أية قوّة في العالم غزو أو قهر أفغانستان والإبقاء على هذا الغزو من عصر الاسكندر الكبير, شاملا ً المغول والإمبراطورية البريطانية وروسيا السوفيتيّة.

ومن الناحية الديموغرافية, تعدّ البلد 32 مليون نسمة, 99 بالمائة منهم مسلمون يتألفون من قبائل وجماعات قائمة على قرابة الدم في مجتمع ٍ متعدد اللغات والأعراق. والبلد على هذا النحو منقسم سياسيّا ً ويفتقر للتماسك الاجتماعي والسياسي.

ثانيا ً, بالنظر إلى تاريخ وإصرار حركة طالبان, فإن أمر إخضاعهم كان دائما ً فشلا ً ذريعا ً. وبالرغم من أنّ الولايات المتحدة تدرك تماما ً بأن العديد من مقاتلي حركة طالبان يعملون من ملاجئ أمنة داخل باكستان ومناطق أخرى من الصعب الوصول إليها, فان الولايات المتحدة ما زالت غير راغبة في مواجهة باكستان, الأمر الذي لا يعطي أي حافز لحركة طالبان لكي تتفاوض بجديّة.

وما زال هذا الوضع قائما ً بدون تغيير, فان مفاوضات “المس واذهب” منذ ال 14 عاما ً الماضية لن تؤدي إلى شيء. تماما مثل الفيتكونغ (الثوار الفيتناميين), تشعر حركة طالبان بشدة بأنها ستستنزف في نهاية المطاف أية حكومة في كابول, وستستمرّ في نضالها وتقدم كلّ التضحيات اللازمة حتّى تنهك قوى الولايات المتحدة وتسيطر في نهاية المطاف.

ثالثا ً, تمتد حدود أفغانستان مع باكستان – ما يُعرف “بخط  دوراند” – عبر كامل الحدود الجنوبية والشرقية ما بين البلدين وهذه المنطقة الحدودية مرسومة بشكل ٍ سيّء وغير محميّة. إنها تفصل قبائل البشتون المقيمة في المنطقة الواقعة ما بين أفغانستان وباكستان عن بعضها البعض وكانت دائما ً مصدرا ً للتوتّر المتصاعد ما بين البلدين, الأمر الذي يفسّر مخاوف الباكستان الفريدة من نوعها وتصميمها على حماية مصالحها الوطنية ويكون لها كلمة حول النظام السياسي الحالي والمستقبلي لأفغانستان.

هناك أدلّة ملموسة كشف عنها الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الرئيسية في أفغانستان, رحمة الله نبيل, مفادها بأن باكستان تدعم بالكامل حركة طالبان الأفغانيّة للوصول إلى هدف مزدوج: أولهما لإبقاء نفوذها في أفغانستان, وثانيهما لمنع الهند من إقامة وجود ٍ لها في البلد (أفغانستان), وبالتالي إحباط أي جهد قد تقوم به نيودلهي لتطويقها.

قال كريس أليكساندر, وزير كندا السابق للمواطنة والهجرة وسفير سابق لأفغانستان, يوما ً وبشكل ٍ قاطع:”يجب على كندا وحلفائها تشكيل جبهة موحّدة ضدّ باكستان لأنها راعية للإرهاب الذي يهدّد أمن العالم”. ومع هذا, كانت إدارة أوباما وما زالت غير راغبة في مواجهة الباكستان لان الولايات المتحدة تنظر للبلد على أنه حليف في الحرب على الإرهاب ويعمل الجيش الباكستاني لضمان المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة في جنوب ووسط آسيا.

رابعا ً, إن الوجود المتنامي لتنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) وعودة عناصر قوية للقاعدة يتراوح عددها ما بين 1.000 و 3.000 مقاتل قد أصبح واضحا ً وبشكل متزايد في المنطقة الجبليّة على طول الحدود الباكستانيّة. هجومهم في الآونة الأخيرة ضدّ الأقليّة “هزارا” قتل 80 شخصا ً بحجة أنّ بعض أعضاء هذه الجالية قدّموا بعض الدّعم لنظام الأسد في سوريا. وقد عبّر عن ذلك بشجاعة الناطق باسم الجيش الأمريكي, العميد تشارلز كليفلاند, بقوله:” هذا هو قلقنا..إنها هذه الهجمات العنيفة ! إنها فعّالة لأنه ليس من الصعب الوصول إليها”.

يمكن التوقّع بأن تصبح هجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أكثر تواترا ً في حدوثها, وبالأخصّ لان التنظيم في تراجع مستمرّ في العراق وسوريا, هذا في حين أنه يواصل زعزعته لاستقرار أفغانستان ويعقّد جهود الحرب, بصرف النظر عن مدى استمرار الدعم العسكري الأمريكي.

خامسا ً, إن إدخال الديمقراطية لأفغانستان في غير أوانها لا يتفق مع الثقافة القبليّة وسيطرة الإسلام المتشدّد على البلد. وبالرغم من أنّ الدستور الجديد يقرّ بالمساواة ما بين الجنسين وبالسياسات التشاركيّة وببعض الحقوق المدنية والسياسية, غير أنّ الدستور أيضا ً أضفى طابع المؤسسات على القومية القبليّة  والتسلسل الهرمي العرقي.

بالنظر إلى ما تقدّم, قد يتساءل المرء لماذا تشعر الولايات المتحدة – تحت إدارة الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما – بأنه بإمكانها الذهاب لأيّ بلد ٍ مسلم, مثل العراق, ليبيا, وأفغانستان ..وغيرها, تدمّرها وثمّ تفرض عليها قيم سياسيّة لا تريد قبولها ؟

إن الوضع الاجتماعي والسياسي لأفغانستان يجعلها عرضة ً للحروب العرقية والأهلية وانهيار مؤسسات الدولة. بإمكان الغرب في أحسن الأحوال تقديم فقط نموذجاً للديمقراطية وليس من شأنه التوغّل إلى حدّ بعيد لترويج ثقافته السياسيّة التي تعتبر غريبة على مواطني البلد ..ويقوم بذلك في ظلّ شهر السلاح, لا أكثر ولا أقلّ.   

يجب على متلازمة فيتنام أن تنتهي في أفغانستان. إنها تذكرني بمقامر على جهاز قمار, وصاحبنا هذا يصبّ باستمرار القطع النقديّة في الجهاز علّه يحصل على أرقام الفوز بالجائزة الكبرى التي لا يحصل عليها أبدا ً , وأخيرا ً يترك جهاز القمار ساخطا ً ومفلسا ً. أجل, لا بوش ولا أوباما تعلّم الدروس المريرة من فيتنام, وكلاهما صبّ ويصبّ المال والموارد الوفيرة في مشروع فاشل …بدون نهاية تلوح في الأفق.

فبعد أن قامت الولايات المتحدة رسميّاً بإنفاق ما يزيد عن 650 مليار دولار في حربها ضدّ حركة طالبان والقاعدة, هذا إضافة إلى 150 مليار دولار ساهمت بها دول أخرى حليفة, تبقى أفغانستان فوضى عارمة. فالرشاوى والمحسوبيّة متفشية كالوباء, ومئات الملايين من الدولارات قد انتُزعت من المساعدات المخصصة للشعب والبلد لجيوب مسؤولين فاسدين بالكاد يستهجنها أحد.

وكما هي الأمور في الوقت الحاضر, ليس لدى مجموعة الأربع دول (المكونة من أفغانستان, الصين, الباكستان والهند) أية خطط لاستئناف المفاوضات مع حركة طالبان التي رفضت المشاركة في أية مفاوضات منذ شهر يناير (كانون الثاني) من العام الجاري. فطالبان ترفض أساساً الإطار السياسي الذي ينبغي أن يحكم أفغانستان في المستقبل.

يجب على الإدارة الأمريكية القادمة أن تغيّر المسار وتضع إستراتيجيّة خروج تحفظ لها بعض ماء الوجه. وترتكز أية اتفاقية من المفروض أن تقبل بها جميع الأطراف المتنازعة على ثلاثة ركائز أو أعمدة هي:

من المسلّم به أولا ً أن تكون حركة طالبان جزء لا يتجزأ من أية حكومة مستقبليّة ما دامت تلتزم بحقوق الإنسان الأساسية, وبالأخصّ فيما يتعلّق بالمرأة, ومنع القاعدة ومجموعات متطرفة أخرى (شاملة داعش) من استخدام أفغانستان كمنصة انطلاق لهجمات إرهابية ضدّ الولايات المتحدة أو أي من حلفائها.

يجب أن يعتمد الجدل المعنوي ضد حركة طالبان على المبادئ والتعاليم الدينيّة التي يعتنقونها والتي قد تمكنهم من تغيير طرقهم بدون خسارة ماء الوجه. على سبيل المثال, ليس هناك في القران الكريم ما يسمح للتمييز ضد المرأة – لا بل العكس, نجد فيه دفاعا ً عن المساواة بين الجنسين بقوله تعالى:” فاستجاب لهم ربّهم أني لا أضيّع عمل عاملٍ منكم من ذكر ٍ أم أنثى, بعضكم من بعض” (سورة ال عمران, اية 195). كما وليس هناك أية دلائل في القران الكريم لا تسمح للنساء بتلقي العلم.

وعلى الباكستان أيضا ً, للأسباب المذكورة أعلاه, أن تكون جزءا ً ورزمة من أيّ حلّ يحفظ مصالح أمنها القومي ويمنع الهند من التدخّل في الشؤون الأفغانيّة. ويجب على إسلام أباد أيضا ً أن تتعهد بغربلة البلاد من المجموعات الإسلامية المتطرفة, وبالأخصّ القاعدة. ومن كلّ شيء نعلمه, تستطيع الباكستان وحركة طالبان أن تتفقا على مثل هذه الصيغة السياسيّة. وعلى الولايات المتحدة سحب قواتها من البلد خلال فترة بضعة سنوات تاركة ً وراءها حامية لحالات الطوارئ لا يتعدى أفرادها بضعة مئات من العسكر مع وجود أممي لمراقبة وضمان التقيّد بتنفيذ الاتفاقيّة.

بعد 15 عاما ً من القتال وإنفاق مئات المليارات وقتل عشرات الآلاف على كلا الجانبين لا تعتبر أفغانستان اليوم أفضل مما كانت عليه بعد انهيار حكم حركة طالبان مباشرة. ولذا يجب على الإدارة الأمريكية القادمة أن تتعهّد بإنهاء ورطة أفغانستان لأنه إن لم يكن هناك اتفاقية يتمّ التفاوض حولها مع حركة طالبان لن يكون هناك نصر ضدّ حركة طالبان كما كان الحال في هزيمة أمريكا النكراء في فيتنام.

*أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية بجامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط بمعهد السياسة الدوليـــــة

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.