التقرير الذي حـاولَ رسمَ “صــورة العـالم” و”حــالـة العَــرَب”…؟

0 713

محمد الفرسيوي

  في السياق التاريخي الذي تَلَا “واقعةَ 11 سبتمبر/أيلول 2001″، وربما في قَلْبِ ملابساتِها والإعدادِ لإخراجِها (؟)، وَضَعَتِ الاستخباراتُ الأمريكيةُ المركزيةُ “تقريراً توجيهياً” بين يدي صانعي ومنفذي القرارِ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية.

إنه “التقرير” الذي رَسَمَ ما أَسْمْتْهُ هذه الأجهزةُ الضليعةُ،”صـورةَ العـالم”، ثم “التوقعاتِ حول ما سوف يطرأ على هذه الصورةِ من تغيراتٍ حتى عام 2015”.

وفيما يشبه التقديم لهذا “التقرير”، أو للصورةِ المرسومةِ للعالمِ وللعربِ بين بدايةِ 2001 و2015، يوضحُ أكبرُ جهازٍ استخباراتي في العالم أن هذا التقريرَ هو “حصيلةُ جهدٍ ومشاركةِ جهاتٍ عديدةٍ، دوائرُ اختصاصٍ، مراكزُ أبحاثٍ، خُبراءُ، إضافةً إلى أجهزةٍ لها قدرة التقصي والاستطلاع…”.

ويسترسلُ هذا الجهازُ موضحاً أنه “قد استغرق إعدادُ التقريرِ ما يزيدُ عن السنةِ من الجهدِ الدؤوب.”…  وهو ما يعني أن زمنَ إعدادِ التقريرِ يمتد إلى ما قبل “واقعة 11 سبتمبر/ أيلول 2001” بأكثر من نصفِ السنة، خصوصاً وأن ظهورَ “التقرير” جاء بعد خمسة أشهرٍ ونَيفٍ مِنَ “واقعةِ” تَعرُّضِ بِنَايَتَيْ جهازِ “البنتاغون” وتنظيمِ “منظمةِ التجارةِ العالميةِ” للتدميرِ أو النسفِ الفُرْجَوِي، بصيغةِ المأساةِ-ملهاة أو المَشْهَدِةِ الـهُو-لْـيـُودِية”، مثلما عُرِضَتْ به في وسائلِ الاتصالِ والتواصلِ والإعلام على شاشاتِ قلوبِ وعقولِ كل العالمِ في حِينِهِ (…)، علماَ أن “المَعْلَمَتَيْنِ المَنَسُوفَتَيْنِ” كانَتَا قد أصْبْحَتَا رمزيْ الرأسماليةِ وما يُسمى “العالمِ الحر الجديد”، تعويضاً لتمثالِ الحريةِ الذي أهدتهُ فرنسا لأمريكا بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ، في سياق إعادةِ إعمارِ أوروبا (مشروع مارشال)الشهيــر.؟

 هذا “التقرير” ليس الأول من نوعهِ بكل تأكيد… لكنه، وهو يأتي في مستهل قرنٍ جديد، تربعتْ فيه الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ وحيدةً على ” عرشِ العالم”، كدولةٍ عظمى في”مرحلةٍ انتقاليةٍ عالميةٍ”، أشرَتْ عن “تبدلٍ وتغييرٍ في جميع المجالاتِ بما في ذلك العلاقاتِ والفكرِ والسلوك.”… لكن هذا “التقرير” والحالة هذه، شكلَ حسب متتبعين في التوجهاتِ المتوقعةِ للولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ لحظتها، “نقلةً نوعيةً، تماماً كما حَصَلَ في أعقابِ الحربِ العالميةِ الأولى حين خرجتْ أمريكا من عزلتِها، وأخذتْ تُرَتبُ علاقاتِها وِفْقَ نظرةٍ جديدةٍ ومختلفةٍ عن السابق.”.

 وباستحضارِ انهيارِ صيغةِ “القطبيةِ الثنائيةِ” كحصيلةٍ لنتائجِ الحربِ الكونيةِ الثانية-المعسكر الغربي مُقابِلَ المعسكر الشرقي – في قيادةِ العالمِ، تَقَاسُمِ النفوذِ فيه وعليه، ونهايةِ “الحربِ الباردةِ” قُبَيْلَ “القرنِ الجديد”، بما حَمَلَهُ هذا الانهيارُ مِنْ تَداعي لِما تَرَتبَ عن نتائجِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ مِنْ علاقاتٍ دوليةٍ اقتصاديةٍ وعسكرية… باستحضارِ هذا التغيير العالمي، ولتغييرٍ داخلي في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ مع مستهل القرنِ الجديدِ “متمثلاً في وصولِ الجمهوريين إلى السلطةِ، بتأثيراتِهِ على تغييرِ السلطةِ فيها، ومعها السياسات والمواقف”(…) تَتًبَينُ خُصوصيةُ هذا “التقرير”، وهو يرسمُ “صورةَ العالمِ”-ومعها “حالةَ العرب”- التي ينبغي أن يكونَ عليها على امتدادِ عقدٍ ونصفٍ من الزمن، وتوضحُ “مناحي التغيير الذي سيعرفهُ العالمُ، والتطورَ الاستثنائي الذي سيُخضعُ له هذا العالم بصفةٍ استثنائية”.

 يقولُ المبدعُ عبد الرحمان منيف عن خلفياتِ “التقرير”، مُبرزاً مخاطرَ الاختياراتِ المُضمنةِ فيه على كل البشرِ والعرب؛ “خاصةً وأن القراءةَ غير محايدةٍ وليستْ بريئةً، وإنما تُعبرُ عن مصالحَ ووجهاتِ نظرٍ، وتَالِياً عن إمكانيةَ فرضِ ما يُعتبرُ أكثرَ تلبيةً لمصالحِها(…)”، خصوصاَ وأن “التقريرَ” ينطلقُ من مسلمةِ ‘ أمريكـا أولاً”، كعنوانٍ بارزٍ لمرحلةِ بدايةِ اعتمادِه ِ(قُبَيْلَ واقعةِ سبتمبر 2001)، وإلى حدودِ (نهايةِ 2015). وربما إلى ما بعدهـا، بما اقْتَضَتْهُ التحِيِينَاتُ اللازمةُ لمرحلةِ ما بعد توظيفِ صورةِ وأيقونةِ رئيسٍ بسحْنَةٍ إفريقية…؟ 

واستناداً لِما سبقَ، وللقولِ الشهيرِ “ليس لأمريكا أصدقاء ولا أعداء دائمون، وإنما مصالح دائمة”، فإن الأمرَكان “يعني أن تبقى الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ القطبَ الأقوى، وأيضاً الوحيدَ المسيطرَ على العالم، وأنْ تكون من القوةِ والتقدمِ بحيثُ تتمكن من حمايةِ مصالحها ومَوْقِعِها، وهذا يعني -علاوةً على ذلك -أن تبقى متفوقةً في المجالاتِ الاقتصاديةِ والعسكريةِ والتكنولوجية، وأن تُحافظَ على ذلك أطولَ فترةٍ ممكنة.”.

لعل هذا وغيرهُ من أسباب تفصيليةٍ أخرى، ما فسرَ ويُفسرُ تغييرَ وتَبَدلَ مواقفَ وعلاقاتِ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية مع الدولِ تبعاً للمصالحِ والفائدةِ، حتى وإنْ أدى ذلك إلى الاختلافِ مع حُلفاءِ الأمسِ (أوربا واليابان….)، في قضايا من قبيلِ الدرْعِ الصاروخي وبروتوكول كِيُوتُو، على سبيلِ المثالِ فقط…

هكذا إذن، تَطَورَتْ “صورةُ العالمِ” في العينِ الأمريكيةِ وصانِعِي ومنفذِي القرارِ بها، بناءً على هذه النظرةِ المُستندةِ إلى صَوْنِ “المصالحِ الدائمةِ”، والحفاظِ على صيغةِ “الدورِ الأوحدِ” في قيادةِ العالمِ، تنفيذاً لتوجهاتِ وتوجيهاتِ “التقرير” المذكورِ، وذلك منذُ 2001 إلى 2015.

إنه مسارُ السياسةِ الأمريكيةِ، منذُ إعدادِ وإعمالِ “التقرير”، أوْ منذُ مَا نُعِتَ في حينهِ وبعدَهُ بقضيةِ “فَبْرَكَةِ حادثِ 11 شتنبر/ أيلول 2011″(…)، ويبقى السؤال، على ضوءِ ما جرى ويجري من تغييراتٍ ومُستجداتٍ مُتلاحقةٍ ومُتسارعةٍ في العالمِ، وخصوصاً في المنطقةِ العربيةِ وعلى صعيدِ تَشَكلِ “القوى البازغة” وإعادةِ “تَشَكلِ وتشييدِ خارطةِ العلاقاتِ والنفوذ الدولي”… يبقى السـؤالُ؛ ما الموقعُ الذي تَحَددَ للعربِ في هذا “التقرير”، وعلى الأرض…؟

يُحددُ “التقرير” الصينَ على رأسِ “القوى البازغة” ذاتِ النفوذِ والقوةِ المُتصاعدتين، إلى جانبِ قوى أخرى كروسيا والهند وإيران… ويرى فيها “المنافسَ المُحتملَ” في “شرق آسيا” وخارجها، لذلك خَصهَا التقريرُ بمساحةٍ أكبرَ، قارئاً ما يتوقعُ أنْ يطرأَ عليها، ومحدداً السياسةَ التي ينبغي اتباعُها معها، ابتداءً مِنْ ساعةِ الصفرِ في “القرن الجديد”.

 مِنْ هُنا، ووِفْقاً لهذه “السياسةِ الجديدةِ” للولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، سيصبحُ للمشاكلِ والعلاقاتِ الدوليةِ أحْجاماً وأبعاداً مُختلفةً عَنِ السابق، لِتَتَحَددَ الأولياتُ الأمريكيةُ في “إعاقةِ تقدمِ بعضِ الدولِ، أوْ خَلْقِ المتاعبِ لها سواء بإثارةِ مشاكل داخليةٍ بِها أَوْ مع جيرانِها، مِنْ أجلِ استنزافِها ووَضْعِ سُلمِ أولوياتٍ مختلفٍ بالنسبةِ لهـا…”

   على طريقِ ذاتِ السياسةِ الخارجيةِ المُحَينَةِ للولاياتِ المتحدةِ الأمريكية، يرسمُ التقرير “صورةً قاتمةً للعربِ” بعد 11 سبتمبر 2001، مُجَسدَةً في “الثالوثِ القاتلِ”؛ البطالةُ والإرهابُ والأصولية… وتَبعاً لذلك “ستتحددُ التحدياتُ الكبرى في المنطقةِ العربيةِ-حسب التقرير-في الضغوطِ الديموغرافيةِ، مِنْ خلالِ تَفَاقُمِ الزيادةِ السكانيةِ بِتَزامُنٍ مع تراجعِ الإمكانياتِ وفُرَصِ العملِ، مما سيُفْضي إلى مشاكل عَوِيصَةٍ، داخلياً وخارجياً(…)، ويُفْرِزُ تَضَخمَ النقْمْةِ والشعورِ بالغُبْنِ واتساعِ الفوارقِ بين الأغنياءِ والفقراءِ على مستوى كُل بلدٍ، وبين مواطني العالمِ الثالثِ والعالمِ المُتقدمِ، وهذا سيؤدي إلى اتساعِ مَوْجَةِ الهجرةِ والتطرفِ، وإلى اعتمادِ العٌنْفِ وسيلةً لمواجهةِ المصاعبِ والتحديات(…)، حيثُ سيكونُ العربُ مُجردَ عِصاباتٍ مِنَ الشبابِ العاطلِ المُسْتَعِد للتطرفِ والإرهاب…”.

    وبالفعلِ، لقد كانتْ أوضاعُ المنطقةِ العربيةِ مُهَيأةً لكل أشكالِ الغضبِ والتطرفِ والعنفِ والفوضى، جَراءَ الحَصيلةِ المزعجةِ والمُراكَمَةِ على جميعِ الأصعدةِ والمستوياتِ، مِنْ تدنٍ للتعليمِ وتخلفه، مِنْ فوارقَ اجتماعيةٍ مُذْهِلَةٍ وتَفْقيرٍ واسعٍ لأوسعِ الفئاتِ، مِنْ غيابٍ للحرياتِ والديمقراطيةِ وإشراكٍ للأجيالِ الجديدةِ، مِنْ انحطاطٍ اقتصادي وعلمي، مِنْ تراجعٍ وانْحِصارٍ للاستثماراتِ(…)، ومِنْ سوءِ استغلالٍ وتوزيعٍ للثروات…

   وحِينَ يَنْضافُ إلى هذه “الصورةِ القابلةِ للانفجار”؛ الفسادُ المُمَأسَسُ، عجزُ الأنظمةِ القائمةِ والنخَبِ عن رفعِ التحدياتِ والإصلاحِ، التبعيةُ والاعتمادُ على الغيرِ، تَفَشي نمط العيشِ الاستهلاكي، التأثيراتُ السلبيةُ للتغيراتِ المناخية، هجرةُ وتهجيرُ الأدمغةِ… حِينَ ينضافُ هذا إلى هذه “الصورة”، وخصوصاً الدورُ الذي “يَلْعَبُهُ الإعلامِ في خَلْقِ اهتماماتٍ ونمطِ حياةٍ، يصعبُ تلبيةُ متطلباتِه ضِمْنَ الامكانياتِ المُتاحِةِ”، وفي “التحريكِ” وصناعةِ الأوهامِ وغيرِ الأوهام… حِينَ ينضافُ كُل هذا وغَيْرُهُ، يَصِيرُ واضحاً، للعُمْيانِ قبل العَيانِ، ماذا كان ينتظرنا…؟ وما الذي لا زال ينتظرنا…؟           

يكتبُ الراحلُ عبد الرحمان منيف فَوْرَ صدورِ هذا التقرير؛ “ومَادامَ المُحَددُ الأساسي للدراسةِ(التقرير؟)، ثم المواقف هو المصلحة بالدرجةِ الأولى، ولأن الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيةَ تُريدُ أنْ تَبْقى مُسيطرةً ومُتفوقةً، فإن ما يهمها في المنطقةِ العربيةِ أنْ تبقى مَصَادِرَ إمدادٍ للطاقةِ، وهذا ما يجعلها تُحْكِمُ قبضتَها عليها، كَيْ تمنعَ المنافسينَ مِنْ مُزاحمتِها، وأيضاً كي تكونَ المُسَيِطَرَ على مصادرِ الطاقة، لأن مَنْ يُسَيْطِرُ على هذه المادةِ يُصبحُ في وَضْعٍ تنافسي أقوى، ويتمكن مِنِ فَرْضِ شروطه…”.

آنَذاكَ، في نوفمبر 2001، أنْهى منيف مُتابعتَه وتعقيبَهُ قائلاً؛ “بَيْدَ أن هذا التقريرَ، وهو يستندُ إلى ما هو قائم، وإلى ما هو مرغوب أنْ يكون… فإن التطورَ المحتملَ للمنطقةِ ليس محكوماً بهذا السيناريو وحده، إذْ يُمكنُ وجودُ بدائل أخرى… الأمرُ الذي يفتحُ الأمورَ على سيناريوهاتٍ أخرى ممكنة”، مُضيفاً أن “المنطقةَ ستبقى عُرْضَةً للكثيرِ مِنَ الاحتمالاتِ السلبيةِ والمخاطرَ الكبيــرة.”.

   اليوم، وبعد ما يزيدُ عَنْ 15 سنة على التقريرِ و”واقعة 11 سبتمبر2001″، ما الذي نُفذَ مِنْ هذا السيناريو؟ وما الذي فَشَلَ منه أوْ تَم إفْشالٌه، حتى الآن؟

 العراقَ احْتُلتْ منذُ 2003، وفُتِحَتْ على التدميرِ والدمارِ طويلا، وهي تتعافى… المقاومةُ في لبنان تنتصر في 2006، وتَتَقَوى… المقاومة تنتصر في فلسطين في 8200، ويتواصل حلمُ العودة والقدس عاصمةُ الدولة الفلسطينية… ليبيا دُمرَتْ منذُ 2011، وتُكَابِد… تونس تكاد تجني بعض ثمارِ ما سُمي بالربيعِ العربي… مصر تَنْجُو، وتَسْتَعيدُ التموقع… السودان قُسمتْ، وسوف تعود…سوريا صامدةً، وقد فُتِحَتْ عليها حربٌ كونية عاتيةً ومؤلمة… الأردن تَساير…المغرب والجزائر ولبنان والنجاحٌ في مواصلةُ صَوْنِ الاستقرار والمكتسبات… السعودية، قطر، ووو(؟؟؟)… اليمن السعيد يتألمُ ويكابد…أزمة مالية كونية في عقر الرأسمالية منذ2008، وتتواصل التداعيات… إسرائيل في قلبِ “توازن الرعب”… والولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ دولةُ عظمى، لكن مع نهوضِ “القوى البازغة”، خصوصاً الصين وروسيا، “وداعاً للقطبية الأحادية”… أوربا/”القــارةُ العجوز”… أمريكا اللاتينية تنهضُ، وتنهض… أما الاعتمادُ على الذاتِ بالديمقراطيةِ والعلمِ والإنسان، ومقاومة المشروع الامبريالي الصهيوني الإرهابي فَـأبقــى، وأبْقــــــــى….

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.