العـربُ، الـمِياهُ أو أَبَجَدِياتُ البَقـاء… !؟

0 439

ذ-محمد الفرسيوي

لَنْ نحتاجَ إلى الكثيرِ من الجهدِ، للدفاعِ عنْ هذه الحقيقةِ؛ ” للماءِ سلطة على كل الكائناتِ الحيةِ، ومنها الإنسانِ” فوق الأرضِ منذُ بَدْء الحياة، وفيما سيأتي من الحياةِ بكل تأكيدٍ، خصوصاً خلال “القرن الجديد”، وما بعدَه، بعدَه وبعدَه، إلى أنْ يَرْثَ خالقُ الحياةِ الأرضَ ومَنْ عليها.

هذه واحدةٌ، وهي مِنَ بَدَهيةِ البَدهيات؛

 أما الحقيقةُ البارزةُ والمُثيرةُ في حالةِ المنطقةِ العربيةِ، وهي مَوْصولةٌ بمشكلِ المياهِ في الحاضرِ والمستقبلِ -علاوةً على ما ذُكِرَ-فَمِنَ الأَصَح النظر إليها في قلبِ ما جرى ويجري مِنْ صراعاتٍ طاحنةٍ في المنطقةِ، حولها وعليها… وأيضاً في سياقِ التحدياتِ المطروحةِ والرهاناتِ الكبرى التي تَفرضُ نفسها علينا، وذلك منذُ أن تبلورتْ فكرةُ ومشروعُ “وَحْدَةِ المنطقةِ” في صورةِ “أَعَز ما يُطْلب”، من أجلِ البقاءِ الآمنِ واسترجاعِ “التحكمِ في زمامِ الأمور” والنهوضِ واستئنافِ النهضةِ، بل “استعادة المبادرةِ والإشعاع”.

عواملُ عديدةٌ، أغلبُها سلبيةٌ، طبيعيةٌ أو تدبيرية، تجعلُ مِنَ الحاجةِ إلى تأمينِ الأمنِ المائي في المنطقةِ العربيةِ مسألةً حيويةً ومصيريةً، بل مِنَ المداخلِ الحاسمةِ لأي سيادةٍ موثوقةٍ، استقرارٍ مستدامٍ، وتنميةٍ مضمونة.

ومما لا شك فيه، أن بلدانَ المنطقةِ، وعلى رأسها مصر وسوريا والعراق باعتبارها الحزام الطبيعي والتاريخي للعروبةِ ولمشروعِ النهضةِ وحلمِه، تُدركُ هذا التحدي، وقد أصبح لزاماً عليها إدراجه ضمن الأولوياتِ في تحدياتِ القرنِ الجديدِ، بصفةٍ لا تقبلُ التأجيلَ وِفْقَ منطقِ “ترحيلِ مشاكلِ الحاضرِ للمستقبلِ”، أو “تَرْك الوقتِ للوقت” أو “كَمْ أشياء قضيناها بتركها”.

لذلك، ومثلما لم يَعُدْ، لا مقبولاً ولا مُمْكِناً، الاستمرارُ في التردي العام والتشتتِ وتغييبِ الديمقراطيةِ التشاركيةِ العميقةِ وتهميشِ التعليمِ والعلمِ والثقافةِ والإنسان… لم يعدْ أيضاً، لا مقبولاً ولا ممكناً الإلقاءُ بأمنِ المنطقةِ الغذائي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي إلى المجهول… ولابد من إيجادِ “خطةٍ للتعاملِ مع المياهِ، فهي التي تُحددُ مستقبلَ أية أمةٍ وأية منطقةٍ، وعلى العربِ أنْ يُولًواْ مشكلةَ المياهِ أكبرَ العنايةِ، وقبل فواتِ الأوان”، وذلك بالنظرِ إلى العواملِ والمعطياتِ التالية؛

1-إن المنطقةَ العربيةَ تُعتبرُ مِنَ المناطقِ الشحيحةِ مائياً مُقارنةً مع مناطق أخرى في العالم، بعددِ سكانِها، بنموها الديموغرافي النشيطِ، وبالحاجياتِ الضروريةِ أو الكمالية،والسائرةِ في الاتساعِ والتنامي باضطراد… فبالإضافةِ إلى الطبيعةِ الصحراويةِ الجافةِ المهيمنةِ، فإن نصيبَ المنطقةِ مِنَ المياهِ كونياً لا يتعدى واحد في المائة، عِلْماً أن عددَ سكانِها يتجاوزُ خمسة في المائة من ساكنةِ الأرض.

   2-إن مياهَ المنطقةِ أغلبُها مُشتركةُ، ومُعظمُ مصادرِها من الخارج، حيثُ أن منابعَ الأنهارِ الرئيسيةِ تقعُ وراءَ الحدود، إذْ تمر عبر أكثر من دولة، في “غيابٍ قواعد صارمةٍ تحكمُ كيفيةَ وحجمَ التعاملِ مع الأنهارِ الدولية” (تتحكم تركيا في كميةِ المياهِ التي يُسمحُ بعبورها إلى سوريا والعراق، بينما مصر/النيل تعيش المشكلة ذاتها مع إثيوبيا وغيرها…).

   3-إن المنطقةَ، وهي تقعُ في دائرةِ ما يُعرفُ بالمناطقِ الجافةِ في العالمِ، يعرضها باستمرارِ لندرةِ التساقطاتِ وتفاوتِها من سنة لأخرى، الأمر الذي يعمقُ اِرْتِهانَها للطبيعةِ دون القدرةِ على التحكم فيها، ويجعلُها “عُرْضَةً للتغيير ولتوقعاتٍ لا يمكن التحكم فيها”.

   4-إن المنطقةَ، كما كل العالمِ، ليستْ بمنأى عن التأثيراتِ الخطيرةِ لظاهرةِ الاحتباسِ الحراري، ذلك أن ارتفاعَ درجة حرارةِ الأرضِ سيُؤدي إلى تقلصِ اليابسةِ وإغراقِ مساحاتٍ كثيرةٍ منها(ذوبانُ كمياتٍ هائلةٍ من جليدِ القطبِ الجنوبي)، وإلى اختلاطِ المياهِ العذبةِ بالمياهِ المالحةِ، مع التأثيرِ على الثروةِ السمكيةِ والأحياءِ البحريةِ والغطاءِ النباتي إلخ، مما قد يُفضي إلى “تغييرِ هيئةِ الأرضِ وإدخالِ معطياتٍ جديدةٍ لم تكنْ موجودةً من قبل”.

5-إن المنطقةَ، لم تسلمْ هي الأخرى حتى الآن، شأنها شأن ما يُسمى بالدولِ الناميةِ، مِنْ سوءِ التعاملِ مع الثروةِ المائيةِ، جراءَ “غيابِ الخططِ العلمية”، والارتهان للزراعات المتخلفة، وذلك منذ ما بعد الاستعمارِ المباشرِ، عِوَضَ “أنْ تنفتحَ على الزراعاتِ التصديريةِ الراقيةِ، ذاتِ الأسعارِ العاليةِ والمحصنةِ بالحمايةِ وبقوانين الدعمِ للمزارعين”.

هذه العواملُ والمعطياتُ مُجتمعةٌ، ينبغي الانطلاقُ منها، استحضارُها والبناءُ عليها في أي مشروعٍ مجتمعي تنموي وناهضٍ باستمرار، ليس فقط لأن الطبيعةَ تُلزمُنا بهذا التعاطي الطبيعي، ولكن – علاوةً على ذلك – لأنها مِنَ الأسبابِ القويةِ التي تُثيرُ النزاعاتِ البيِنيةِ في المنطقةِ، والتي مِنَ الواردِ أنْ تَنْفَجِرَ في القريبِ المنظورِ، بصيغةٍ قاتلةٍ إنْ لمْ تُعالجْ اليومَ، قبل الغد.

ولا نحتاجُ، أخيراً وليس آخراً، التذكيرَ بمسألتينِ رغم أنهما في حالتِنا يندرجانِ ضِمِنَ “تحصيلِ الحاصل”؛

المسألةُ الأولى موصولةٌ بوجودِ الكيانِ الصهيوني الإرهابي، والذي وظيفته والهدف من زرعه في المنطقةِ، “تدمير مشروع العروبةِ الوحدوي النهضوي الحضاري الإنساني”، أو على الأقل تعطيله وكبحه… وهو في معطياتِ ما يجري، وفي المسألةِ المائيةِ وحدها، يُعززُ تغلغلَه الإفريقي في “البؤرةِ المائية” (مصر/ النيل)، ويُحاولُ شَد تركيا إليه (سوريا/ العراق ودجلة والفرات).

أما الثانيةُ؛ فليستْ سوى ما للماءِ مِنْ علاقةٍ أزليةٍ بالحياةِ وضمانِ تَدَفقِ استمرارِها (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، ولما له من ارتباطٍ عضوي بالتحكمِ في توزيعِ الساكنةِ والأنشطةِ المختلفةِ للإنسانِ والمجموعاتِ والأممِ والحضارات… أعْني لِما للمسألةِ المائيةِ-وفي كل زمان ومكان-مِنْ علاقةٍ حاسمةٍ بالاستقرارِ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي… أُذَكرُ بهذا، ولو في سياقِ ” توضيح الواضحات…….”، والله المُستعــان.

 

 

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.