كانت لحظة علمية مميزة استضاف فيها مؤخرا ماستر “الآداب والثقافة في العالم المتوسطي” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أستاذ تاريخ وفلسفة العلوم محمد أبطوي، في درس علمي مهم تحت عنوان: “نشأة التقليد العلمي العربي وتطوره: التفاعل والتثاقف في ميدان العلوم الدقيقة بين الثقافتين الإغريقية والعربية ق2-4ه/ 8-10م” .
كان سفرا علميا إمتاعيا يسعد فيه الباحث بالقول إنه يكبر مع الكبار ويستزيد بأشياء الروائع العلمية، عندما طالعنا الأستاذ المحاضر وهو الخبير بمظاهر الفاعلية العلمية العربية الناشئة التي استوعبت زمنها الثقافي والمعرفي على أشياء الجدة في الدوائر العلمية السائدة، في أمم الجوار واستعادتها على تمحيص وفحص دقيق بمنظور النقد والتأمل والاستيعاب، الذي تجاوز النقل والترجمة والتدوين. بل إلى حيازة تتملك ناصية المعرفة القديمة من مخطوطات شملت معارف عدة كالرياضيات والفيزياء والفلك والطب وغيرها من المعارف التي استجابت لحاجيات العصر العباسي في زمنه المتدفق على توسيعات جديدة، والتي لا نجد لها نظيرا مماثلا في حدث سابق. باعتبارها تعبيرا عن فوران ثقافي تآنس بترجمة المؤلفات العلمية الإغريقية. والتي تساوقت مع احتياجات المجتمع الإسلامي واقتضاءات البحث العلمي، في أبعاد علمية متسمة بالإبداع والدينامية وقوة الأثر وعمقه في سياقات ولواحق استفهامية.
لم تنفلت من سجالات بعض المهتمين في بحث عناصر هذا الحضور العلمي الهائل، وبثه وفق مركز ثقافي أصيل يستهدي البحث في عناصر قوته والتأثير الذي باشره على حضارات الجوار عندما وجد له مستلمين جددا أجروها على اهتمام ومتابعة ألمعيتها وسبقها الزمني في تبيئة مناخ علمي في أحضان الحضارة العربية الإسلامية وفي حواضر إسلامية: قرطبة، القاهرة، بغداد..
هذه الحواضر التي كانت تمثل عناصر الريادة العلمية العالمية بمعاجم ومفاهيم تقنية، تملك ناصيتها عنصر بشري تميز بتعدد المواهب وعناصر التميز والمران العلميين، في سبق أكاديمي للمدرسة العلمية الإسلامية التي حازت عناصر النجاح الأولي للإبداع العلمي، في جو متسامح يعتد بثقافة الاختلاف وشروط إنتاج المعنى العلمي من لدن العلماء الذين باشروا مهمة البحث العلمي من أطر دينية مختلفة: يهود ونصارى ومسلمين وصائبة.
إنها كلها أشياء الفسيفساء، يرى الأستاذ المحاضر، التي لم تصنع أشياء الحساسيات الدينية في بعثرة الحافز العلمي، بل قوّت عناصر الاعتداد والكفاءة العلمية على الاعتبار والاعتراف بمصادر الغنى والمردودية، وجعلها شرطا قويا في تقوية العلاقات مع حضارات الجوار، ولملمة أشياء الداخل في المجال الإسلامي الفسيح، على الاعتداد بوحدة المجال الجغرافي، ولملة الجهود العلمية على التعاون وإمدادها بمحفزات الدعم والرعاية المالية، باعتبارها شرطا أساسيا للنجاح.
لقد كان هذا اللقاء العلمي فرصة مواتية لمعاودة النظر في أشياء الاستباقات التبخيسية السيّارة وجاهزيتها، التي لا تدرس تاريخ العلوم في سياقه، أو لا تنظر إليه إلا من منتزعا من زمنه الوجودي. وذلك بإعادة فحص أطر النظر التي لا تلتفت إلى التقليد العلمي العربي الإسلامي، الذي أنعش موارد السبق العلمي في زمن عمّر ثمانية قرون، وفي حراك ثقافي خلق الاستثناء وفتح استفهامات جديدة، ومازال مبقيا عليها في مدارات تتجاوز زلات بعض مشتغلي تاريخ العلوم في عالمنا العربي الإسلامي، الذين لم يحملوا فعل هذا الثأثير وحضوره على الاعتراف به والاعتداد به كحدث ثقافي عالمي..
تفاعل الحضور مع ندوة المفكر والباحث أبطيوي كان مثيرا ومن خلال ما جاء على لسان “سي محمد” -كما أراد وأصر أساتذة في الندوة على تقديم مفكرهم- حلق الجمهور الحاضر المتكون من طلبة وأساتذة ومهتمين في أجواء تمتد لقرون من زمن الثقافة العربية وتلاقحها والثقافات الأخرى وتفاعلها معها، وهو ما استحق الشكر والتقدير ممن حضر ندوة هذا العالِم الفذ، سي محمد أبطيوي.
الناس
صور أخرى من الندوة في المرفق أسفله