المغرب وتركيا.. علاقات تاريخية راسخة تؤسس لتعاون سياسي واقتصادي واعد

313

 يتملك المغرب وتركيا، اللذان تربطهما علاقات تاريخية راسخة تقوم على الاحترام المتبادل، كل الامكانات والمؤهلات لخلق فرص تعاون سياسي واقتصادي واعد، يخدم البلدين معا في اتجاه التأسيس لمحور سياسي واقتصادي استراتيجي قوي ومستدام.

فعلى مدى العقدين الأخيرين تمكن البلدان، بقيادة الملك محمد السادس والرئيس رجب طيب أردوغان، من تعزيز علاقتهما باتفاقات دبلوماسية وتجارية، ومن مراكمة خبرات وتجارب في العديد من القطاعات الحيوية، من شأنها التأسيس لتعاون قوي ثنائي ومتعدد الأطراف، يستهدف خلق ديناميات إقليمية، متجددة وطموحة بالنسبة لكلاهما.

وبإمكان المغرب وتركيا، الأول بفضل ريادته الإقليمية وموقعه الاستراتيجي، والثانية بفضل قوتها الاقتصادية الصاعدة بثبات ووزنها الإقليمي، أن يخلقا دينامية اقتصادية فعالة وواعدة لولوج فضاءات اقتصادية غير تقليدية بالنسبة لهما، ولا سيما في العمقين الإفريقي والآسيوي.

هذا التوجه نحو تحقيق مزيد من التعاون الاقتصادي يلقى دعما كبيرا في العلاقات الثنائية السياسة التي تقوم على دعم البلدين للوحدة الترابية لكل منها، ورفض النزعات الانفصالية التي تستهدف سيادة كل منها على كامل ترابه.

وفي هذا السياق، جددت تركيا، في دجنبر الماضي، على لسان وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو، تأكيدها على “دعمها الكامل” للوحدة الترابية للمملكة وتشبثها باستقرار المغرب الذي يضطلع بدور مهم في العالم الإسلامي والقارة الإفريقية وفي منطقة المتوسط.

ويرى المراقبون أنه من شأن هذا التعاون أن يثمر أكثر إذا تمكن البلدان من بحث إمكانات جديدة لتنويع مجالات تعاونها والدفع بعجلة الاستثمار كبديل للمبادلات التجارية، وذلك بالنظر إلى اختلال توازن الميزان التجاري لصالح تركيا.

وعزا هؤلاء هذا الاختلال في العلاقات التجارية إلى تشابه بعض القطاعات الإنتاجية بالبلدين، كصناعات النسيج والجلد والبناء والأشغال العمومية وشبكات التوزيع بالتقسيط، معتبرين أنه يمكن استدراك هذا الاختلال إذا قدمت تركيا فرصا استثمارية للمغرب في مجالات الصناعات الصيدلانية أو الخدمات البنكية والتأمينات، فضلا عن إحداث منصات استثمارية مشتركة.

وسجل مختصون في العلاقات المغربية التركية أن البيئة الاقتصادية المغربية، التي تتميز ببنية تحتية قوية وأطر ذات كفأة، مؤهلة لاحتضان الاستثمار التركي وتسويقه في إفريقيا باعتبارها سوقا تستقطب اهتمام البلدين معا، ما يمكنهما من خلق فرص تعاون جديدة وعدم الاكتفاء بالتجارة البينية.

وفي هذا الإطار، شهدت السنة المنصرمة تعدد اللقاءات والاجتماعات، ذات الطابعين السياسي والاقتصادي سواء بالمغرب أو تركيا أو في تظاهرات دولية، فضلا عن مشاركة وفود مغربية وتركية في العديد من الملتقيات والمؤتمرات الدولية التي استضافها البلدان والتي تعكس رغبتهما في استكشاف آفاق تعاون جديدة.

وعلى سبيل المثال، كان وزير الشؤون الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، أكد في دجنبر الماضي خلال ندوة صحفية مشتركة عقب مباحثات أجراها مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، أن البلدين اتفقا على “مواصلة العمل سوية لتطوير أكبر للعلاقات الثنائية في العديد من المجالات”، معربا عن أمله في أن “تتوازن” المبادلات التجارية بين البلدين.

من جهته، قال السيد بوريطة إن المباحثات شكلت، أيضا، مناسبة لمناقشة تطوير هذا التعاون و”سبل تجاوز بعض الحواجز التجارية التي تتسبب في مشاكل على مستوى الشراكة الثنائية”.

وفي إطار المشاورات الرامية إلى تجاوز هذه المشاكل، اتفق المغرب وتركيا، في يناير الماضي بالرباط، على مراجعة اتفاقهما للتبادل الحر الحالي من أجل تجارة “أكثر توازنا وأهمية وذات جودة”، وذلك خلال تصريح مشترك صدر عقب لقاء أعمال عقد على هامش الدورة الخامسة للجنة المشتركة المكلفة بتتبع تنفيذ اتفاق التبادل الحر بين البلدين.

واتفق الجانبان، أيضا، خلال هذه الدورة التي ترأسها كل من وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي مولاي حفيظ العلمي، ووزيرة التجارة التركية روهصار بكجان، على الرقي بالتجارة الثنائية إلى مستوى “أكثر توازنا وتشجيع المستثمرين الأتراك على الاستثمار بالمغرب في الصناعة الانتاجية، إلى جانب تشجيع الصادرات المغربية نحو تركيا”.

وفي كلمة بالمناسبة، انعقاد لقاء الأعمال المغربي -التركي، أكد  السيد العلمي، أن هذا اللقاء سيساهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين المغرب وتركيا، ويعكس الإرادة المشتركة للبلدين وتصميمهما على بث روح جديدة في علاقاتهما الثنائية،  مشيرا إلى أنه ومنذ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في 2006، وصلت نسبة متوسط نمو التجارة بين البلدين إلى 14 في المئة سنويا لصالح تركيا، وبلغت الواردات المغربية من تركيا 21,5 مليار درهم سنة 2018، فيما لم تتعد الصادرات المغربية نحو هذا البلد 5,54 مليار درهم، ما رفع العجز التجاري المغربي إلى 16 مليار درهم.

تركيا ترى في المغرب، بحسب وزيرة تجارتها، شريكا مهما بالنظر إلى الدينامية التي يعرفها الاقتصاد المغربي والموقع الجغرافي للمملكة كبوابة لولوج إفريقيا.

وأبرزت الوزيرة التركية، أيضا، إمكانات الاستثمار الكبيرة التي يتيحها المغرب وتركيا، وكذلك نمو المبادلات التجارية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، مؤكدة على أهمية تطويرها بشكل أكبر من خلال الاتفاقيات التجارية والشراكات الإقليمية المربحة للجانبين.

السنة ذاتها عرفت مشاركة وفد مغربي يضم نحو 60 فاعلا اقتصاديا في ملتقى التعاون الاقتصادي التركي العربي ال14، الذي استضافته إسطنبول من 19 إلى 22 نونبر المنصرم، وشكل مناسبة لاستعراض الفرص والإمكانيات الاستثمارية التي تقدمها مختلف جهات المملكة، وبحث سبل تعزيز المبادرات الاستثمارية بالمغرب وبالبلدان العربية وتركيا، والمساعدات التي يمكن تقديمها للمستثمرين من كلا الطرفين، لا سيما تلك المرتبطة بالضرائب والتخفيض الجمركي والشحن.

كما تتجسد الرغبة في بث زخم أكبر في العلاقات الثنائية في الزيارات المتعددة للمسؤولين المغاربة لتركيا للمشاركة في مؤتمرات موضوعاتية، تكون فرصة لاستعراض التجربة المغربية في شتى المجالات، منها على سبيل المثال مشاركة وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي خلال نونبر الماضي في الدورة ال35 للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي (كومسيك)، وأيضا مشاركة رئيس مؤسسة وسيط المملكة السيد محمد بنعليلو، خلال نونبر الماضي في المؤتمر الثاني لأمناء المظالم الدولي.

وضمت هذه الزيارت، أيضا، مشاركة وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة السيد محمد بنشعبون، خلال دجنبر الماضي في مؤتمر الاستثمار في القطاعين العام والخاص رفيع المستوى لمنظمة التعاون الإسلامي، ووزيرة الأسرة والتضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة السيدة جميلة المصلي في الدورة الأولى للمؤتمر الوزاري حول التنمية الاجتماعية في بلدان منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة أيضا خلال دجنبر الماضي.

الناس/لمياء ضاكة (ومع)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.