محمد الفرسيوي
في السطور الماضية، ركزنا على “الشق الأول” من خطاب الملك الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحديداً على واقع حال ” الشراكات ” بين دول الشمال وبلدان الجنوب… لقد أوضح الخطاب المذكور حقيقة ” الترهيق ” المصوب من طرف حكام الغرب أو دول الشمال نحو شعوب وبلدان الجنوب، وذلك منذ الاستعمار إلى الآن…
” إرهاق “، تم ويتم بواسطة “سرقة الثروات والأسواق”، ” مساعدات مخدومة “، “توجيهات معاصرة” بآفاق الانزلاق، “وعود وتهديدات”، ومن خلال “الضغط المدني” و”الاختراق” وتعميق “الثنائيات المصطنعة”…
غير أن أسس وقواعد هذا المخطط الاستنزافي والإرهاقي قديمة ومحينة في آن واحد… لقد تم تركيزها منذ الاستسلام “للاستعمار المباشر”، مروراً باستحلاء “الخضوع للاستعمار غير المباشر”، ثم وصولاً إلى الرضي بواقعية “الاستعمار المعولم”…
وهذا معناه أن “الداء” موروث ومكتسب في نفس الوقت، عميق وبنيوي في آن واحد… داء “فقدان المناعة” و”الاعتماد على الغير”… إنه كامن، كسبب ومسبب، في النظام الموروث عن الاستعمار، وعن العوامل والأسباب التي أدت إليه، بواسطة ترسانة مؤسساتية وقانونية نافذة، وإستراتيجية إخضاع وخضوع شاملة…
الآن، وفي أوائل القرن الواحد والعشرين، يُطرح المشكل من أعلى سلطة في البلاد، في منتظم دولي أممي، وفي ظرفية دولية مفتوحة على “التغييرات” والمستجدات المسرعة المتسارعة… وبما أن رئيس الدولة وصف الخطاب “بالثوري”، فقد يصح مقاربة الأشياء من هذه الزاوية تحديداً…
إن العلاقة جدلية، تفاعلية وتلازمية بين العاملين الداخلي والخارجي، في كل زمان ومكان… إنها،حتى على مستوى الأفراد، علاقة تلازمية قائمة منذ الأزل… الجسد يستسلم للمرض بواسطة استعداده الداخلي الموروث أو المكتسب أو هما معاً، وعبر هجوم الداء وقوته كمعطى خارجي… نفس الأمر يحدث للدول والجماعات والمجتمعات… لكن جسد الإنسان، بل أبدان كل الكائنات، مع الداء لا يتوقفان أبداً عن مقاومة المرض عبر استعادة تنشيط المناعة الداخلية، ومن خلال معالجة وعلاج الداء كسبب ومسبب خارجي… هذه واحدة من البديهيات والمسلمات الأكثر كونية وأزلية في الوجود…
هكذا، هي المجتمعات والدول والشعوب الحية، في كل زمان ومكان…
لم يتوقف المغرب، جسداً وروحاً، عن محاولة مقاومة دائه وأمراضه، منذ حوالي 500 سنة… منذ أن دخل دائرة فقدان التحكم في زمام أموره وأفول إشعاعه الحضاري… لكنه لم يتوقف نهائياً عن إطلاق المحاولة تلوى الأخرى، بحثاً عن استرجاع مناعته، أسباب وعوامل وروافع قوته، ومفاتيح نهضته وإشعاعه… كانت محاولات الإصلاح تتوالى عبر هذا الزمن المديد، من عهد الحسن الأول على الأقل، “المحاولة الحفيظية”، تجربة لسان المغرب، الحركة السلفية، المقاومة، “ثورة الملك والشعب”، المشروع الثاوي وراء “طريق الوحدة”، ومحاولات منازلة “الاستعمار الجديد” وبناء المغرب المستقل والديموقراطي و”التموقع الإيجابي” في عالم المعولِمين والمتعولًمين…
فشلتْ وأُفشلتْ محاولات، حقق بعضها بعض النجاح أو المكتسبات، ولا تزال الفكرة قائمة والحلم حياً… ولا مفر، في كل الأحوال والظروف، من مواجهة عوامل وأسباب ومسببات الداء المتمثل في “ثالوث التخلف والاستبداد والتبعية”… وهذا يستلزم، من جملة ما يستلزم، الالتزام وتفعيل الإرادة المتضمنة في هذا الخطاب وغيره، في روح الدستور الحالي، وفي البلورة الجماعية للمشروع البديل، الموثوق والموثق في أن واحد، بالاعتماد على الذات المغربية والثقة فيها، بالانفتاح المدروس على تجارب البشرية، وبالعمل الجدي والعقلاني، تنظيراً وممارسة … فما حك جلدُنا غير ظُفرنا…